أحمد بن علي القلقشندي
257
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ومن خطب أبي بكر الصديق رضي اللَّه عنه فيما ذكره أبو جعفر النحاس في « صناعة الكتاب » وهي : ألا إن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك ، الملك إذا ملك زهده اللَّه جل وعز فيما عنده ، ورغبه فيما في يدي غيره ، وانتقصه شطر أجله ، وأشرب قلبه الاشفاق ، وإذا وجبت ( 1 ) نفسه ، ونضب عمره وضحا ( 2 ) ظله ، حاسبه اللَّه جل ثناؤه وأشد حسابه ، وأقل عفوه ؛ وسترون بعدي ملكا عضوضا ، وأمة شحاحا ، ودما مباحا ؛ وإن كانت للباطل نزوة ، ولأهل الحق جولة ، يعفو لها الأثر وتموت السنن ، فالزموا المساجد واستشيروا ( 3 ) القرآن ، وليكن الابرام بعد التشاور ، والصفقة بعد التناظر ( 4 ) . ومن خطب عمر رضي اللَّه عنه : أيها الناس ! إنه أتى علي حين وأنا أحسب أن من قرأ القرآن إنما يريد اللَّه وما عنده ، ألا وإنه قد خيل إلي أن أقواما يقرأون القرآن يريدون ما عند الناس ألا فأريدوا اللَّه بقراءتكم ، وأريدوه بأعمالكم ، فإنما كنا نعرفكم إذ الوحي ينزل وإذ النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم بين أظهرنا ؛ فقد رفع الوحي وذهب النبي عليه السلام ، فإنما أعرفكم بما أقول لكم ألا فمن أظهر لنا خيرا ظننا به خيرا وأثنينا به عليه ، ومن أظهر لنا شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه ؛ اقدعوا ( 5 ) هذه النفوس عن شهواتها ، فإنها لملقة ( 6 ) ، وإنكم إلا تقدعوها تنزع بكم إلى شر غاية . إن هذا الحق ثقيل مريء ، وإن الباطل
--> ( 1 ) أي مات . ( اللسان 1 / 794 ) . ( 2 ) يقال للرجال إذا مات وبطل : ضحا ظله . وضحا الظل إذا صار شمسا . وإذا صار ظل الإنسان شمسا فقد بطل صاحبه ومات . ( اللسان 4 / 481 ) . ( 3 ) كذا في الأصول بالشين المهجمة ولعله تصحيف عن التاء المثلثة ، ففي اللسان ، ثور القرآن : بحث عن معانيه وعن علمه . وأورد في ذلك حديث عبد اللَّه : أثيروا القرآن فإن فيه خبر الأولين والآخرين ، وحديثا آخر : من أراد العلم فليثور القرآن . ( اللسان 4 / 110 ) . ( 4 ) وردت هذه الخطبة في بعض المراجع بشكل أطول ، وباختلاف كبير عما هنا . ( انظر جمهرة خطب العرب : 1 / 173 وعيون الأخبار : 2 / 253 ) . ( 5 ) القدع هو الكف والمنع ( اللسان 8 / 260 ) . ( 6 ) رجل مليق وملاق أي لا يصدق وده ، مخادع . ( اللسان 10 / 347 ) .